دور مفتش الشغل في مسطرة الفصل التأديبي للأجير: قراءة في ضوء المادة 62 من مدونة الشغل والاجتهاد القضائي المغربي

الكلمات المفتاحية: مسطرة الفصل التأديبي، المادة 62 مدونة الشغل، مفتش الشغل، الفصل التعسفي، محكمة النقض المغربية، مندوب الأجراء، الخطأ الجسيم، التعويض عن الفصل
مقدمة: إشكالية قانونية في قلب علاقة الشغل
تُعدّ مسطرة الفصل التأديبي للأجير من أكثر المساطر إثارةً للجدل في القانون الاجتماعي المغربي، لا سيما حين يرفض أحد الطرفين المشاركة فيها. ففي هذه الحالة، تتفرع مسألة جوهرية: هل يكتفي المشغل بإخطار مفتش الشغل بمقرر الفصل والوثائق المرفقة، أم أن المشرع أوجب على هذا الأخير القيام بدور إجرائي فعلي لاستكمال المسطرة؟
هذا السؤال، الذي قد يبدو تقنياً في ظاهره، تترتب عليه تداعيات عملية بالغة الأثر على حقوق الأجراء وضمانات الفصل التعسفي، وهو ما كشف عنه حكم حديث صادر عن المحكمة الابتدائية الاجتماعية بالدار البيضاء في 19 ماي 2025.
أولاً: الإطار القانوني — نص المادة 62 من مدونة الشغل
تُرسي المادة 62 من مدونة الشغل المغربية الهيكل الإجرائي لعملية الفصل التأديبي، وتتضمن ثلاثة مقتضيات جوهرية:
- المقتضى الأول: وجوب إتاحة الفرصة للأجير للدفاع عن نفسه بالاستماع إليه من طرف المشغل أو نائبه، بحضور مندوب الأجراء أو الممثل النقابي، وذلك داخل أجل ثمانية أيام من تاريخ تبيّن الخطأ.
- المقتضى الثاني: تحرير محضر في الموضوع تُوقّعه الجهتان، وتُسلَّم نسخة منه إلى الأجير.
- المقتضى الثالث: اللجوء إلى مفتش الشغل في حالة رفض أحد الطرفين إجراء المسطرة أو إتمامها.
غير أن هذا المقتضى الثالث هو مصدر الخلاف الجوهري في الاجتهاد القضائي المغربي.
ثانياً: وقائع النازلة — نموذج يُجسّد الإشكالية
صدر في 19 ماي 2025 حكم عن المحكمة الابتدائية الاجتماعية بالدار البيضاء في نزاع يتعلق بفصل سائق حافلات رفض إجراء فحوصات طبية دورية طلبتها منه مقاولته سنة 2023، وهو ما اعتبرته المقاولة خطأً جسيماً بموجب المادة 39 من مدونة الشغل.
تسلسلت الوقائع على النحو الآتي:
- شرعت المقاولة في مسطرة الفصل التأديبي واستدعت الأجير لجلسة الاستماع.
- رفض الأجير الحضور، فتعذّر إجراء المسطرة داخل المقاولة.
- لجأ الأجير إلى مفتشية الشغل، إلا أن المقاولة تخلّفت عن الحضور رغم توصّلها باستدعاءين.
- أصدرت المقاولة قرار الفصل النهائي، وبلّغت مفتش الشغل بالوثائق والمسطرة.
- رفع الأجير دعوى قضائية بتاريخ 25 فبراير 2025، أي بعد أكثر من سنة ونصف من تاريخ توصّله بقرار الفصل في 21 يوليوز 2023.
- قضت المحكمة بسقوط الدعوى استناداً إلى المادة 65 من مدونة الشغل التي تحدد أجل التقاضي في 90 يوماً، مع رفض الدفع المتعلق بعدم استكمال مسطرة الفصل أمام مفتش الشغل.
ثالثاً: موقف محكمة النقض المغربية — تطور الاجتهاد وتناقضاته
1. قرار 2014: الاعتراف بالدور الإجرائي لمفتش الشغل
في قرار مؤسّس صدر بتاريخ 29 مايو 2014، قضت محكمة النقض بأن:
“مسطرة الفصل التي تتم بمكتب المفتش طبقاً للفصل 62 من مدونة الشغل في غياب مندوب الأجراء أو الممثل النقابي يجعل المسطرة مختلة”
المرجع: قرار رقم 739، ملف عدد 509/5/1/2013، الغرفة الاجتماعية، بتاريخ 29/05/2014.
يستفاد من هذا القرار ضمناً أن مفتش الشغل يتولى استكمال مسطرة الاستماع فعلياً، وليس مجرد تلقّي الإشعار، إذ لا معنى للحديث عن “اختلال المسطرة” بسبب غياب مندوب الأجراء لو كان دور المفتش اقتصادياً على الاطلاع.
2. قرار 2019: تأكيد الطابع الإلزامي للمثول أمام المفتش
جاء قرار لاحق صادر بتاريخ 29 أكتوبر 2019 ليُرسّخ هذا التوجه، إذ قضى بأن:
“مسطرة الفصل يجب أن تتم أمام مفتش الشغل بحضور طرفي عقد الشغل، وأن المادة 62 من مدونة الشغل تخاطب المشغل والأجير، وهذا الأخير ملزم بالتوجه إلى مفتش الشغل”
المرجع: قرار رقم 1536/1، ملف عدد 621/5/1/2019، الغرفة الاجتماعية، بتاريخ 29/10/2019.
دلالة هذا القرار واضحة: إلزام الأجير بالتوجه إلى مفتشية الشغل لا يُفسَّر إلا بوجود إجراء موضوعي ينتظره، لا باستقبال وثائق المشغل والإطلاع عليها فحسب.
3. قرار 2023: التحول نحو التضييق من صلاحيات مفتش الشغل
غيّر قرار صادر بتاريخ 21 مارس 2023 هذا المسار، مُقرّراً أن الفقرة الثالثة من المادة 62 “غير واضحة الدلالة”، وأن الغرض من اللجوء إلى مفتش الشغل هو:
“مجرد الإخبار بتعذر إنجاز مسطرة الاستماع أو إتمامها، وليس مباشرتها أو الإشراف عليها أو مواصلتها”
مستنداً إلى الأعمال التحضيرية لمدونة الشغل التي اقترحت إرسال المحضر إلى مفتش الشغل بواسطة البريد المضمون.
المرجع: قرار رقم 342/1، ملف اجتماعي عدد 3018/5/1/2022، بتاريخ 21/03/2023، منشور بالموقع الرسمي لمحكمة النقض.
رابعاً: تقييم نقدي — حجج في مواجهة التفسير التضييقي
أ. حجة النص مقابل الأعمال التحضيرية
يستند قرار 2023 إلى الأعمال التحضيرية لمدونة الشغل لتفسير المادة 62، في حين أن القاعدة المنهجية في تفسير النصوص القانونية تقضي بأن الأعمال التحضيرية لا تُستدعى إلا عند غموض النص. والحال أن عبارة “يتم اللجوء إلى مفتش الشغل” صريحة في إيجاب تدخله، لا في مجرد إعلامه.
ب. حجة الغاية من المسطرة
صمّمت المادة 62 أصلاً لضمان توازن إجرائي بين طرفَي عقد الشغل. فحين يرفض الأجير الحضور داخل مقر المقاولة — وهو موقف يعكس انعدام الثقة في بيئة العمل — أوجد المشرع جهة محايدة بديلة هي مفتشية الشغل. إفراغ هذه الجهة من دورها يُلغي الضمانة التي أُسّست لأجلها.
ج. حجة التناسق مع مبدأ فصل الاختصاصات
رسمت مدونة الشغل تسلسلاً وظيفياً واضحاً: المقاولة في المرحلة الأولى، مفتشية الشغل في الثانية، والمحكمة في الثالثة. تجاوز هذا التسلسل يُخل بالتوزيع الاختصاصي الذي حدده المشرع، ويُعظّم دور المحكمة على حساب مؤسسة الوساطة الإدارية.
خامساً: الأثر العملي على الأجراء وأصحاب العمل
يترتب على التفسير التضييقي لدور مفتش الشغل جملة من التداعيات:
| الجهة | الأثر |
|---|---|
| الأجير | يُحرم من ضمانة المثول أمام جهة محايدة قبل صدور قرار فصله |
| المشغل | يُختصر التزامه في إرسال إشعار بريدي دون الحاجة إلى إجراء فعلي |
| مفتش الشغل | يتحول دوره من وسيط إجرائي إلى مستلم مراسلات |
| المحكمة | تتضخم صلاحياتها الرقابية لتغطي ما كان ينبغي أن يُعالَج إدارياً |
خاتمة: نحو مقاربة تشريعية واضحة
كشفت النازلة المعروضة وما أثارته من نقاش قانوني أن الغموض التفسيري حول المادة 62 من مدونة الشغل لم يعد مقبولاً، لا من حيث اليقين القانوني، ولا من حيث فعالية الحماية الاجتماعية.
وعليه، يظل التدخل التشريعي الحل الأنجع والأكثر استدامة، ويُقترح أن يشمل:
- تعديل المادة 62 بتحديد صريح لطبيعة تدخل مفتش الشغل وحدوده الإجرائية الزمنية.
- تعديل المادة 63 لسد الثغرات المتعلقة بالدفع بمغادرة الأجير العمل تلقائياً، الذي كثيراً ما يُستعمل أداةً للتحايل على ضمانات الفصل.
فالنصوص التي تتشكّل دلالتها باجتهادات متضاربة تفتقر إلى الاستقرار التشريعي الذي هو شرط كل عدالة اجتماعية فاعلة.
المراجع القانونية
النصوص التشريعية
- مدونة الشغل المغربية، المادة 39 (الخطأ الجسيم)
- مدونة الشغل المغربية، المادة 62 (مسطرة الفصل التأديبي)
- مدونة الشغل المغربية، المادة 63 (المغادرة التلقائية)
- مدونة الشغل المغربية، المادة 64 (الرقابة القضائية)
- مدونة الشغل المغربية، المادة 65 (أجل التقاضي — 90 يوماً)
قرارات محكمة النقض المغربية
| الرقم | التاريخ | الملف | الغرفة |
|---|---|---|---|
| 739 | 29/05/2014 | 509/5/1/2013 | الاجتماعية |
| 1536/1 | 29/10/2019 | 621/5/1/2019 | الاجتماعية |
| 342/1 | 21/03/2023 | 3018/5/1/2022 | الاجتماعية |
الأحكام القضائية
- حكم المحكمة الابتدائية الاجتماعية بالدار البيضاء، بتاريخ 19/05/2025 (في النازلة موضوع التعليق)
