من الشاشة إلى المحضر الرسمي: معاينة المفوض القضائي للمحتويات الرقمية في ضوء القانون المغربي

بقلم المفوض القضائي: عمر العياشي

مقدمة

شهد المجتمع المعاصر تطورا رقميا هائلا أثر بشكل عميق على مختلف مناحي الحياة القانونية والاجتماعية، حيث أصبحت المقاطع الصوتية والمرئية والمحتويات المنشورة عبر شبكة الإنترنت تُشكل مصدرا أساسيا للإثبات في النزاعات القضائية، وقد فرض هذا التحول الرقمي تحديات جديدة على المنظومة القانونية، لا سيما فيما يتعلق بآليات توثيق الأدلة الإلكترونية وحفظها بصورة تضمن حجيتها أمام القضاء.

وفي هذا السياق، يضطلع المفوض القضائي بدور محوري في عملية المعاينة والتفريغ، باعتباره مساعدا للقضاء مُؤتمنا على معاينة وتوثيق الوقائع المادية وتحريرها في محاضر رسمية تتمتع بالحجية القانونية، وتُعد معاينة المحتويات الرقمية من أبرز المهام التي يُكلف بها المفوض القضائي في الوقت الراهن، نظرا لتزايد اللجوء إلى الأدلة الإلكترونية في مختلف أنواع المنازعات.

يسعى هذا المقال إلى تسليط الضوء على الإطار القانوني والعملي لمعاينة المفوض القضائي الرامية إلى تفريغ المقاطع الصوتية والمواضيع المنشورة على شبكة الإنترنت ومقاطع الفيديو والتسجيلات المرئية، مع بيان الإجراءات المتبعة والضوابط القانونية الواجب مراعاتها، والإشكاليات العملية التي تُثيرها هذه العملية.

المبحث الأول: الإطار القانوني لمعاينة المفوض القضائي في المجال الرقمي

المطلب الأول: الأساس التشريعي لاختصاص المفوض القضائي في المعاينة

يستمد المفوض القضائي اختصاصه في إجراء المعاينات من القانون رقم رقم 46.21 المتعلق بتنظيم مهنة المفوضين القضائيين، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.25.49 صادر في 9 ذي الحجة 1446 (6 يونيو 2025). حيث نصت المادة 43 من هذا القانون على أن المفوض القضائي يختص بإجراء معاينات مادية مجردة من كل رأي، بناء على أمر قضائي أو بطلب مباشر من المعني بالأمر؛

كما يجد هذا الاختصاص سنده في قانون المسطرة المدنية، لا سيما الفصول المتعلقة بإجراءات التحقيق ووسائل الإثبات. ويعزز هذا الإطار التشريعي بمقتضيات القانون رقم 53.05 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية، الذي أسس لمنظومة قانونية تعترف بالمحررات والوثائق الإلكترونية كوسيلة إثبات معتبرة قانوناً.

ويُستفاد من هذه النصوص القانونية مجتمعة أن المشرع المغربي قد أولى عناية خاصة لمسألة الإثبات الإلكتروني، وأن اختصاص المفوض القضائي في معاينة المحتويات الرقمية يجد أساسه في النصوص التشريعية العامة المنظمة لمهنته، وكذا في النصوص الخاصة المتعلقة بالتعاملات الإلكترونية.

المطلب الثاني: نطاق المعاينة الرقمية ومحدوديتها

تشمل معاينة المفوض القضائي في المجال الرقمي مجموعة متنوعة من المحتويات، يمكن تصنيفها إلى أربع فئات رئيسية:

أولا: المقاطع الصوتية (التسجيلات الصوتية)، وتتضمن التسجيلات الهاتفية، والرسائل الصوتية عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي كواتساب وتيليغرام وغيرها، والتسجيلات الصوتية المنشورة على المنصات الرقمية، والبودكاست والبرامج الإذاعية المسجلة.

ثانيا: المواضيع والمحتويات المنشورة على شبكة الإنترنت، وتشمل المقالات والتعليقات على المواقع الإلكترونية، والمنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي كفيسبوك وإنستغرام وتويتر (إكس)، والمحتويات المنشورة على المنتديات والمدونات الإلكترونية، والرسائل الإلكترونية والمراسلات عبر البريد الإلكتروني.

ثالثا: مقاطع الفيديو، بما فيها مقاطع الفيديو المنشورة على منصات مثل يوتيوب وتيك توك وغيرها، والبث المباشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومقاطع الفيديو المتداولة عبر تطبيقات المراسلة الفورية.

رابعا: التسجيلات المرئية، وتشمل تسجيلات كاميرات المراقبة، والتسجيلات المرئية الخاصة بالاجتماعات عن بُعد عبر تطبيقات مثل زوم ومايكروسوفت تيمز.

غير أن هذا الاختصاص ليس مطلقاً، إذ يتقيد بضوابط جوهرية أبرزها: أن المعاينة يجب أن تنصب على الوقائع المادية دون إبداء أي رأي تقني أو فني، وأن لا تمس بحرمة الحياة الخاصة للأفراد، وأن تحترم مقتضيات القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي.

المبحث الثاني: الإجراءات العملية لمعاينة وتفريغ المحتويات الرقمية

المطلب الأول: المرحلة التمهيدية (قبل إجراء المعاينة)

تستوجب عملية المعاينة والتفريغ الرقمي مرحلة تحضيرية دقيقة تتضمن عدة خطوات إجرائية أساسية:

أولا: التأكد من صحة الطلب أو الأمر القضائي: يتعين على المفوض القضائي التحقق من أن طلب المعاينة مستوفي للشروط الشكلية والموضوعية، سواء تعلق الأمر بطلب من أحد الأطراف أو بأمر صادر عن الجهة القضائية المختصة. ويجب أن يتضمن الطلب أو الأمر تحديدا دقيقا لموضوع المعاينة ونطاقها.

ثانيا: تحديد المحتوى المراد معاينته وتفريغه بدقة: ينبغي أن يكون المفوض القضائي على علم واضح بطبيعة المحتوى الرقمي المطلوب معاينته، هل هو مقطع صوتي أم مقطع فيديو أم محتوى منشور على الإنترنت أم تسجيل مرئي، مع تحديد الروابط الإلكترونية أو مصادر المحتوى بشكل دقيق.

ثالثا: إعداد الأدوات والوسائل التقنية اللازمة: يتعين على المفوض القضائي التأكد من توفره على الأجهزة المناسبة كالحاسوب أو الهاتف الذكي، والتأكد من جودة الاتصال بشبكة الإنترنت عند معاينة المحتويات المنشورة عبر الشبكة، وكذا التوفر على أدوات لالتقاط صور الشاشة (Screenshots) وتسجيل المعلومات التقنية المرتبطة بالمحتوى.

المطلب الثاني: مرحلة إجراء المعاينة والتفريغ

الفقرة الأولى: معاينة وتفريغ المقاطع الصوتية

عند معاينة المقاطع الصوتية، يتعين على المفوض القضائي اتباع منهجية دقيقة تتضمن: الإشارة إلى مصدر التسجيل الصوتي (هاتف محمول، تطبيق رقمي، جهاز تسجيل…)، وتحديد تاريخ ووقت التسجيل إن كان ذلك ممكناً، وذكر مدة التسجيل الكاملة، ثم الاستماع الكامل والمتأني للتسجيل الصوتي.

يقوم المفوض القضائي بعد ذلك بتفريغ المحتوى الصوتي كتابيا بأمانة ودقة، مع مراعاة ما يلي: نقل الكلام المسموع حرفيا كما هو دون تعديل أو تحريف، والإشارة إلى اللغة أو اللهجة المستعملة في التسجيل، وذكر أي أصوات خلفية أو تشويش يؤثر على وضوح المحتوى، ووضع علامات واضحة عند الأجزاء غير المفهومة أو غير الواضحة مع الإشارة إلى ذلك صراحة في المحضر، ثم يقوم المفوض القضائي بإرفاق المقاطع الصوتية التي تمت معاينة مضمامينها، في دعامة الكترونية سواء قرص مضغوط (CD)، أو مفتاح تخزين (USB)، والاشارة الى ذلك في المرفقات.

ومن الأهمية بمكان التأكيد على أن المفوض القضائي لا يملك صلاحية تحديد هوية المتحدثين في التسجيل الصوتي، إذ يقتصر دوره على التفريغ المادي للمحتوى، ويبقى تحديد هوية الأصوات من اختصاص الخبرة التقنية.

الفقرة الثانية: معاينة المواضيع المنشورة على شبكة الإنترنت

تكتسي معاينة المحتويات المنشورة على شبكة الإنترنت أهمية بالغة، نظرا لطبيعتها المتغيرة والقابلة للحذف أو التعديل في أي لحظة، ولذلك يتعين على المفوض القضائي التقيد بمنهجية صارمة تشمل:

تسجيل العنوان الإلكتروني الكامل (URL) للصفحة محل المعاينة بشكل دقيق، وتحديد تاريخ وساعة إجراء المعاينة بدقة متناهية نظرا لقابلية المحتوى الرقمي للتعديل، والتقاط صور للشاشة (Screenshots) تُوثق المحتوى المعاين في حالته الراهنة لحظة المعاينة، وتفريغ المحتوى النصي المنشور بحرفيته، بما في ذلك العناوين والتعليقات والهاشتاغات والروابط المرفقة.

كما ينبغي على المفوض القضائي أن يُضمن محضره: اسم الموقع أو المنصة الإلكترونية، واسم الحساب أو الصفحة الناشرة للمحتوى، وتاريخ النشر الظاهر على المحتوى إن وُجد، وعدد التفاعلات والمشاركات والتعليقات المرتبطة بالمحتوى لحظة إجراء المعاينة.

وتجدر الإشارة إلى ضرورة توخي الحيطة والحذر عند معاينة المحتويات المنشورة على حسابات خاصة أو مجموعات مغلقة، حيث قد تثار إشكاليات تتعلق بحماية الحياة الخاصة ومشروعية الوصول إلى هذه المحتويات.

الفقرة الثالثة: معاينة وتفريغ مقاطع الفيديو والتسجيلات المرئية

تُعد معاينة مقاطع الفيديو والتسجيلات المرئية من أكثر عمليات التفريغ تعقيدا، نظراً لتضمنها عنصرين متلازمين هما الصوت والصورة، ويتعين على المفوض القضائي مراعاة المنهجية التالية:

أولا: على مستوى البيانات التقنية، يجب تحديد مصدر مقطع الفيديو أو التسجيل المرئي (كاميرا مراقبة، هاتف محمول، منصة رقمية…)، وذكر مدة المقطع الكاملة، وجودة التسجيل ودقة الصورة إن أمكن ذلك، وتحديد تاريخ ووقت التسجيل الظاهر على المقطع.

ثانيا: على مستوى التفريغ الصوتي، يطبق المفوض القضائي نفس القواعد المعتمدة في تفريغ المقاطع الصوتية المشار إليها سابقا، مع مراعاة التزامن بين الصوت والصورة.

ثالثا: على مستوى الوصف البصري، يتعين على المفوض القضائي وصف المشاهد المرئية بموضوعية ودقة، دون إبداء أي تأويل أو رأي شخصي. ويشمل ذلك: وصف المكان العام الذي تدور فيه الأحداث إن كان ظاهرا، ووصف الأشخاص الظاهرين في المقطع بأوصافهم الخارجية دون تحديد هوياتهم، ووصف الأفعال والتصرفات والحركات المرئية بتسلسلها الزمني، والإشارة إلى أي علامات أو كتابات أو شعارات ظاهرة في المقطع، كما يمكنه اخد لقطة او لقطات متعددة من الفيديو وارفاقها بالمحضر قصد تاكيد وتوضيح ماتم معاينته.

ومن المهم التأكيد على أن المفوض القضائي يقتصر على الوصف المادي الموضوعي، ولا يحق له تحديد هوية الأشخاص الظاهرين في التسجيل أو الجزم بطبيعة أفعالهم أو نواياهم.

المبحث الثالث: الضوابط القانونية والأخلاقية لعملية المعاينة والتفريغ

المطلب الأول: شروط صحة محضر المعاينة الرقمية

لكي يكتسب محضر المعاينة الرقمية حجيته القانونية، يتعين أن يستوفي جملة من الشروط الشكلية والموضوعية:

من الناحية الشكلية، يجب أن يتضمن المحضر: البيانات الشخصية والمهنية للمفوض القضائي المُحرّر، وبيان التكليف أو الأمر القضائي الذي يستند إليه، وتحديد تاريخ وساعة ومكان إجراء المعاينة بدقة، ووصف الأجهزة والوسائل التقنية المستخدمة في عملية المعاينة والتفريغ، وتوقيع المفوض القضائي وخاتمه الرسمي.

أما من الناحية الموضوعية، فيتعين أن يتسم المحضر بالأمانة والدقة في نقل المحتوى، والموضوعية التامة في الوصف دون أي تحيز أو تأويل، والشمولية في تغطية كافة عناصر المحتوى محل المعاينة، والتسلسل المنطقي والزمني في عرض المعطيات.

كما ينبغي على المفوض القضائي الإشارة صراحة في محضره إلى أن المعاينة تمت في تاريخ وساعة محددين، وأن المحتوى الرقمي قابل للتعديل أو الحذف بعد تاريخ إجراء المعاينة، وهو ما يُضفي على المحضر قيمة توثيقية مهمة تُثبت حالة المحتوى في لحظة زمنية بعينها.

المطلب الثاني: الحدود القانونية والإشكاليات العملية

تثير عملية معاينة وتفريغ المحتويات الرقمية جملة من الإشكاليات القانونية والعملية التي تستوجب الدراسة والتحليل:

أولا: إشكالية الحياة الخاصة: يتعين على المفوض القضائي التوفيق بين متطلبات إثبات الحقوق وبين حماية الحياة الخاصة للأفراد، وفقاً لمقتضيات الفصل 24 من الدستور المغربي لسنة 2011، والقانون رقم 09.08 المتعلق بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي. فلا يجوز للمفوض القضائي معاينة محتويات رقمية خاصة دون إذن قضائي أو موافقة صاحبها.

ثانيا: إشكالية مشروعية التسجيلات: كثيرا ما تُطرح إشكالية مشروعية التسجيلات الصوتية والمرئية المنجزة دون علم الطرف الآخر، حيث يميز الاجتهاد القضائي المغربي بين الحالات التي يكون فيها التسجيل مبرراً لحماية حق مشروع والحالات التي يعد فيها اعتداءا على الحياة الخاصة.

ثالثا: إشكالية التحقق من الأصالة: لا يملك المفوض القضائي الوسائل التقنية الكافية للتحقق من أصالة المحتوى الرقمي واستبعاد احتمال تعرضه للتزوير أو التعديل بتقنيات المونتاج أو الذكاء الاصطناعي. ولذلك يقتصر دوره على تفريغ المحتوى كما هو في حالته الظاهرة، تاركا مسألة التحقق من الأصالة للخبرة التقنية المأمور بها قضائيا.

رابعا: إشكالية اللغة واللهجة: قد يواجه المفوض القضائي صعوبات في تفريغ محتويات صوتية بلغات أجنبية أو لهجات محلية لا يتقنها، مما يستوجب الاستعانة بترجمان محلف عند الاقتضاء.

خامسا: إشكالية المحتوى العابر والمؤقت: تتيح بعض المنصات الرقمية نشر محتويات مؤقتة (كالستوري على إنستغرام وفيسبوك) تختفي تلقائياً بعد مدة زمنية محددة، مما يفرض على المفوض القضائي التدخل السريع لتوثيق هذه المحتويات قبل حذفها.

المبحث الرابع: الحجية القانونية لمحضر المعاينة الرقمية وأهميته في الإثبات

المطلب الأول: القوة الثبوتية لمحضر المعاينة

يتمتع محضر المعاينة المحرر من قِبل المفوض القضائي بقوة ثبوتية خاصة باعتباره محررا رسميا، ويعتبر هذا المحضر حجة على الوقائع المادية المثبتة فيه إلى أن يطعن فيه بالتزوير، وذلك طبقا للقواعد العامة المتعلقة بحجية المحررات الرسمية المنصوص عليها في قانون الالتزامات والعقود، الفصل 418 منه.

غير أنه تجدر الإشارة إلى أن الحجية التي يتمتع بها المحضر تنصرف فقط إلى الوقائع المادية التي عاينها المفوض القضائي شخصيا ودونها في محضره، ولا تمتد إلى تكييف هذه الوقائع أو استنتاجاتها القانونية التي تبقى من اختصاص القضاء.

كما أن محضر المعاينة الرقمية يثبت حالة المحتوى الرقمي في لحظة زمنية محددة، ولا يفيد بالضرورة أن هذا المحتوى لم يتعرض لأي تعديل قبل أو بعد لحظة المعاينة. ولهذا السبب، قد يلجأ القضاء إلى الأمر بإجراء خبرة تقنية إضافية للتحقق من أصالة المحتوى وسلامته.

المطلب الثاني: الأهمية العملية لمحضر المعاينة الرقمية

يحقق محضر المعاينة الرقمية المحرر من قِبل المفوض القضائي فوائد عملية جمّة، من أبرزها:

حفظ الدليل الإلكتروني من الضياع أو التلف أو التعديل، لا سيما أن المحتويات الرقمية المنشورة على الإنترنت قابلة للحذف أو التعديل في أي لحظة. فمحضر المعاينة يُجمد حالة المحتوى الرقمي في لحظة زمنية محددة، مما يُشكل سندا قويا للإثبات حتى في حالة حذف المحتوى الأصلي لاحقاً.

تعزيز الموقف القانوني للمتضرر في مختلف أنواع النزاعات، سواء تعلق الأمر بقضايا القذف والسب والتهديد عبر الإنترنت، أو قضايا المنافسة غير المشروعة، أو قضايا حقوق الملكية الفكرية والأدبية، أو قضايا التحرش الإلكتروني والابتزاز، أو النزاعات التجارية المتعلقة بالتجارة الإلكترونية.

توفير أساس موضوعي ومحايد للمحكمة في تقدير الأدلة الإلكترونية، حيث إن محضر المفوض القضائي يُعفي المحكمة من عبء الولوج المباشر إلى المحتويات الرقمية، ويُوفّر لها وصفاً مادياً موثقاً ومحايداً يُمكن الاعتماد عليه في بناء الحكم.

خاتمة

خلاصة القول، إن معاينة المفوض القضائي الرامية إلى تفريغ المقاطع الصوتية والمواضيع المنشورة على شبكة الإنترنت ومقاطع الفيديو والتسجيلات المرئية تُمثل أداة قانونية بالغة الأهمية في منظومة الإثبات بالعصر الرقمي، وقد أبانت هذه المقالة عن الدور المحوري الذي يلعبه المفوض القضائي في توثيق الأدلة الإلكترونية وحفظها في محاضر رسمية تتمتع بالحجية القانونية.

وتبقى هذه المهمة محفوفة بتحديات عملية وقانونية متعددة، لعل أبرزها التوفيق بين متطلبات الإثبات وحماية الحياة الخاصة، وصعوبة التحقق من أصالة المحتويات الرقمية في ظل تطور تقنيات توليد الصور والفيديوهات والمقاطع الصوتية بما يعرف بثورة الذكاء الاصطناعي، فضلا عن غياب إطار تشريعي خاص ومفصل ينظم عملية المعاينة الرقمية بشكل دقيق.

ولمواجهة هذه التحديات، نقترح ما يلي:

أولا، وضع دليل عملي موحد لمعاينة المحتويات الرقمية يُحدد المنهجية المعتمدة والمعايير التقنية الواجب مراعاتها.

ثانيا، تعزيز التكوين المستمر للمفوضين القضائيين في مجال التقنيات الرقمية وأساليب التوثيق الإلكتروني.

ثالثا، التفكير في تعديل تشريعي ينظم بشكل صريح ومفصّل عملية المعاينة الرقمية ويحدد ضوابطها وشروطها.

رابعا، تشجيع التعاون بين المفوضين القضائيين وخبراء المعلوميات لضمان جودة عمليات المعاينة والتفريغ الرقمي.

خامسا: توعية المواطنين بمخاطر الاستعمال غير القانوني للوسائط الإلكترونية يعد أمرا ضروريا، إذ إن بعض السلوكات على الإنترنت قد تشكل جرائم يعاقب عليها القانون كالتشهير وانتهاك الحياة الخاصة…
لذلك، يساهم نشر الوعي القانوني في ترسيخ الاستعمال المسؤول للتكنولوجيا والحد من الأفعال التي قد تعرض مرتكبيها للمساءلة القانونية.

إن التطور المستمر للتكنولوجيات الرقمية يفرض على المنظومة القانونية ككل، وعلى مهنة المفوض القضائي على وجه الخصوص، مواكبة هذا التطور وتطوير أدواتها ومناهجها لتظل قادرة على الاستجابة لحاجيات العدالة في عالم رقمي متسارع التحول.

اترك تعليقاً