المفوض القضائي في ضوء القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية: قراءة في النص على محك الممارسة

ذ. عمر العياشي، مفوض قضائي

تقديم

يعد التبليغ والتنفيذ الحلقتين اللتين يتوقف عليهما مآل الخصومة المدنية برمتها؛ فبالتبليغ تنعقد الخصومة في مواجهة الخصم وتسري الآجال، وبالتنفيذ يتحول الحكم من منطوق مجرد إلى حماية فعلية للحق. ولئن كانت الدراسات التي واكبت صدور القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية قد أولت عناية واسعة لمستجداته في مجالي التبليغ والتنفيذ، فإنها تناولت المفوض القضائي في الغالب تناولا عرضيا، والحال أنه المنوط به من الناحية العملية إعمال جانب معتبر من هذه المقتضيات.

وقد دخل هذا القانون حيز التنفيذ في 24 غشت 2026 بعد انقضاء ستة أشهر على نشره بالجريدة الرسمية عدد 7485 بتاريخ 23 فبراير 2026، طبقا للمادة 643 منه. ومن هنا تنبع الحاجة إلى مساءلة موقع المفوض القضائي في هذا النص الجديد، لا من زاوية تحليله النظري فحسب، بل أيضا من زاوية اختباره على محك الممارسة خلال الأسابيع الأولى من تطبيقه.

وتتمحور الإشكالية التي تعالجها هذه الورقة حول السؤال الآتي: إلى أي حد استطاع القانون رقم 58.25 أن يعيد تحديد مكانة المفوض القضائي في منظومة التبليغ والتنفيذ؟ وهل واكبت الأدوات التنظيمية والتقنية والمادية هذا التحديد التشريعي؟

وللإجابة عن ذلك نتناول مكانة المفوض القضائي في مسطرة التبليغ (المبحث الأول)، ثم موقعه في مرحلة التنفيذ ورهانات التحديث المرتبطة بها (المبحث الثاني).

المبحث الأول: مكانة المفوض القضائي في مسطرة التبليغ

كرس المشرع المفوض القضائي أصلا في التبليغ، غير أن هذا التكريس يظل محكوما بحدود نصية وعملية (المطلب الأول). كما أحاط التبليغ بضمانات جديدة يطرح إعمالها إشكالات تتجاوز النص إلى أدوات تطبيقه (المطلب الثاني).

المطلب الأول: تكريس الأصل وحدوده

نصت المادة 83 من القانون رقم 58.25 على أن الاستدعاء يبلغ بواسطة أحد المفوضين القضائيين، مع تخويل المحكمة أن تأمر عند الاقتضاء بتبليغه بواسطة أحد موظفي كتابة الضبط أو بالطريقة الإدارية أو عن طريق البريد المضمون. وبذلك يكون المشرع قد حسم على مستوى المبدأ ترتيب وسائل التبليغ، فجعل المفوض القضائي هو الأصل وما عداه استثناء مشروطا بتقدير المحكمة. وهو اختيار ينسجم مع ما آل إليه التطور التشريعي منذ إحداث هيئة الأعوان القضائيين ثم تنظيم مهنة المفوضين القضائيين، مرورا بما قرره المشرع في قانون إحداث المحاكم التجارية.

غير أن تكريس الأصل في النص لا يستتبع بالضرورة تحولا في الممارسة؛ فالمعاينة الميدانية خلال الأسابيع الأولى من التطبيق لا تكشف عن تغير ملموس في توزيع طيات التبليغ، إذ ما زال الاستثناء يعامل عمليا معاملة القاعدة، وما زالت الوسائل الأخرى تستعمل على النحو الذي كانت تستعمل به في ظل قانون 1974. ومرد ذلك في تقديرنا إلى أن عبارة “عند الاقتضاء” لم تقيد بمعايير موضوعية تضبط سلطة المحكمة في العدول عن الأصل، مما يبقي الأمر رهينا بالعادات الإدارية المستقرة أكثر مما هو رهين بإرادة المشرع.

وفي السياق ذاته خولت المادة 87 للمفوض القضائي المعين من طرف المدعي أو وكيله أو محاميه أن يتسلم من كتابة الضبط بمجرد تعيين تاريخ الجلسة الطيات المتعلقة بالاستدعاء وجميع إجراءات الملف القضائية الأخرى، متى أرفق مقال الدعوى بكل الوثائق والمستندات المثبتة له. وقد قدمت عدة قراءات هذا المقتضى على أنه مستجد، والحال أن الممارسة كانت قد استقرت قبل صدور القانون على السحب الورقي للطيات من طرف المفوض المعين. فالمادة 87 لم تحدث آلية جديدة بقدر ما رفعت عرفا مهنيا قائما إلى مرتبة القاعدة التشريعية. وقيمة ذلك ليست هينة، لأن العرف يبقى عرضة لتباين التعامل من محكمة إلى أخرى، بينما يكفل النص الصريح وحدة المعاملة ويمنح المفوض سندا قانونيا يحتج به.

المطلب الثاني: ضمانات التبليغ بين النص وأدوات إعماله

أحاط المشرع التبليغ بضمانات تتعلق بزمانه وبالبيانات الواجب تضمينها في شهادة التسليم؛ فقد منع تبليغ أي طي قضائي قبل الساعة السابعة صباحا وبعد الساعة العاشرة ليلا إلا في حالات الضرورة وبناء على إذن مكتوب ومعلل، وأوجب أن تتضمن شهادة التسليم جملة من البيانات من بينها تاريخ التسليم أو تاريخ الرفض وساعته (المادة 82). ويفهم من الربط بين المقتضيين أن تضمين الساعة لم يعد مجرد بيان تكميلي، بل صار الوسيلة التي تتيح مراقبة احترام الحيز الزمني المشروع للتبليغ. ومن ثم فإن إغفاله قد يتمسك به للطعن في صحة التبليغ وما يترتب عليه من أحكام غيابية وسريان لآجال الطعن.

بيد أن هذه الضمانة تصطدم بعائق عملي، إذ لم تحين نماذج شهادات التسليم المعمول بها بما يلائم المقتضيات الجديدة، وما زالت هي نفسها التي كانت مستعملة في ظل القانون الملغى. وهنا يتجلى أحد أوجه المفارقة بين النص وأدوات إعماله؛ فالمشرع شدد البيانات الإلزامية في حين ظلت الوثيقة التي يفترض أن تحتضن هذه البيانات على حالها. وإلى أن يتم تحيين النماذج تقتضي الحيطة المهنية أن يضمن المفوض القضائي ساعة التبليغ بخط يده، تحصينا للإجراء وصونا لحقوق المتقاضين.

أما بخصوص الرفض فقد قرر المشرع أن الاستدعاء يعتبر مسلما تسليما صحيحا ومنتجا لآثاره القانونية في اليوم العاشر الموالي لتاريخ الرفض الصادر عن الطرف أو الشخص الذي له الصفة في التسلم (المادة 85). ولم تسفر الممارسة إلى حد الآن عن تغير في طريقة تحرير محاضر الرفض أو في تعامل المحاكم معها.

وتبقى المادة 86 أكثر المقتضيات دلالة على الهوة بين الطموح التشريعي والواقع العملي. فقد قررت أنه إذا تعذر التبليغ وتبين أن المدعى عليه مجهول بالعنوان الوارد في الاستدعاء أو انتقل منه، تعتمد المعلومات المتوفرة بقاعدة المعطيات المتعلقة بالبطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية، ويعتبر الاستدعاء الموجه إلى هذا العنوان في حكم التوصل القانوني ومنتجا لآثاره في مواجهة المدعى عليه.

ويكتسي هذا المقتضى أهمية بالغة إذا استحضرنا أن جانبا معتبرا من حالات تعذر التبليغ لا يرجع إلى امتناع المبلغ إليه ولا إلى تقصير المكلف بالتبليغ، بل إلى غياب عنونة واضحة: أحياء بلا أسماء أزقة، ومساكن بلا أرقام، ومناطق قروية لا يهتدى إليها إلا بوصف تقريبي. غير أن هذه الآلية لم تفعل إلى حد الآن، ويبدو أن مرد ذلك إلى أن النص سكت عن تحديد الجهة المخولة بطلب العنوان من قاعدة المعطيات، وعن القناة التي يتم عبرها ذلك، وعن الضمانات المتعلقة بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي. وما لم يسد هذا الفراغ بنص تنظيمي أو بمسطرة عملية واضحة سيظل المقتضى معلقا، وسيظل تعذر التبليغ الناتج عن اختلال العنونة قائما.

المبحث الثاني: المفوض القضائي في مرحلة التنفيذ ورهانات التحديث

أعاد القانون رقم 58.25 تنظيم مرحلة التنفيذ على نحو يبرز مؤسسة قاضي التنفيذ، غير أنه أبقى على ازدواجية جهة التنفيذ (المطلب الأول). كما راهن على الرقمنة وعلى توسيع الإجراءات المسندة إلى المكلف بالتنفيذ دون أن يواكب ذلك تحيين الإطار التقني والمادي لممارسة المهنة (المطلب الثاني).

المطلب الأول: ازدواجية جهة التنفيذ في ظل رقابة قاضي التنفيذ

أول ما يستوقف الباحث في النص الجديد أن المفوض القضائي لا يذكر باسمه إلا في مواضع معدودة، في مقابل ما يزيد على خمسين إحالة على “المكلف بالتنفيذ”. ولا يتعلق الأمر بمجرد اختيار صياغي، إذ تكشف المادة 476 عن مضمون هذه العبارة حين تنص على أن التنفيذ يتم بواسطة كتابة الضبط أو بواسطة المفوضين القضائيين. فالمشرع لم يحسم إذن في جهة التنفيذ بل أبقى على ازدواجيتها، وهو ما تؤكده الممارسة، إذ ما زالت ملفات التنفيذ تسند إلى مأموري التنفيذ بكتابة الضبط على النحو المعهود.

وتترتب على هذه الازدواجية نتيجة لا تخلو من إشكال؛ فالآجال والالتزامات التي يرتبها النص على “المكلف بالتنفيذ” تسري على جهتين تختلفان في وضعهما القانوني وفي نظام مساءلتهما وفي الوسائل المتاحة لهما. فالمفوض القضائي مهني حر يتحمل مسؤوليته المهنية الشخصية وفق القانون المنظم لمهنته، بينما يخضع مأمور التنفيذ لنظام الوظيفة العمومية.

ومن أبرز ما يجسد هذا الإشكال أجل العشرة أيام الذي قررته المادة 486، إذ ألزمت المكلف بالتنفيذ بأن يبلغ داخل هذا الأجل من تاريخ تقديم الطلب نسخة من طلب التنفيذ ونسخة من السند إلى المنفذ عليه مع إعذاره بالتنفيذ الاختياري. وإذا كان هذا الأجل يعكس إرادة تشريعية واضحة في تسريع التنفيذ، فإن احترامه يصطدم في الدوائر القضائية الواسعة ذات الامتداد القروي والجبلي بعائق المسافات والتضاريس. ويزيد من حدة الإشكال أن النص لم يحدد جزاء تجاوز هذا الأجل: فهل هو أجل تنظيمي يروم الحث على السرعة دون أن يرتب البطلان، أم أجل تترتب على مخالفته مسؤولية المكلف بالتنفيذ؟ ذلك سؤال سيتولى القضاء الإجابة عنه ما لم يتدخل المشرع أو السلطة التنظيمية بتوضيح.

وفي مقابل هذه الازدواجية أرسى القانون رقابة قضائية أولية على التنفيذ، يمكن اعتبارها التحول الأبرز الذي لمسته الممارسة في هذه المرحلة. فقد نصت المادة 485 على أن قاضي التنفيذ يأمر فورا وبعد التأكد من اختصاصه ومن قابلية السند للتنفيذ بتبليغ نسخة من السند مع إعذار المنفذ عليه بتنفيذ ما يقضي به اختياريا، وبذلك لم يعد المكلف بالتنفيذ يباشر إجراءاته إلا بعد أمر قضائي أول يؤطرها. واللافت أن هذه الرقابة لم تتحول خلال الأسابيع الأولى إلى عائق شكلي، إذ لم تسجل حالات رفض أو إرجاع لطلبات التنفيذ، وهو ما يدل على أنها إلى حد الآن رقابة تأطير لا رقابة تعطيل. أما ما عدا ذلك في العلاقة اليومية بين المكلف بالتنفيذ وقاضي التنفيذ فلم يطرأ عليه تغير يذكر مقارنة بما كان عليه الوضع في ظل القانون الملغى.

وقد أدخل المشرع كذلك أدوات جديدة من شأنها تعزيز فعالية التنفيذ، من ذلك إجراء المزاد عن طريق منصة إلكترونية (المادة 513)، وتنظيم الحجز على الأموال المحفوظة في خزائن مستأجرة لدى مؤسسات الائتمان بتعيين مدير المؤسسة حارسا قضائيا وختم الخزانة بالشمع الأحمر إلى حين فتحها وجرد موجوداتها (المادة 518). غير أن هاتين الآليتين لم تجدا طريقهما إلى التطبيق إلى حد الآن في حدود ما عايناه، مما يجعل الحكم على فعاليتهما سابقا لأوانه.

المطلب الثاني: الرقمنة المؤجلة والوضع المادي للمهنة

راهن القانون رقم 58.25 على الرقمنة باعتبارها رافعة لتقليص الزمن القضائي. فقد قررت المادة 634 أن إجراءات تبليغ المقررات القضائية وتنفيذها تباشر عبر النظام المعلوماتي، وأن طي التبليغ أو التنفيذ يوجه إلى المفوض القضائي المعني عبر حسابه المهني الإلكتروني، على أن يرجع هذا الأخير نتيجة التبليغ أو التنفيذ إلى المحكمة عبر المنصة الإلكترونية. ولو فعل هذا المقتضى لأسهم في معالجة جانب من الإشكالات السالفة الذكر، سواء تعلق الأمر بسرعة توجيه الطيات أو بضبط تواريخ الإجراءات أو بإثبات إنجازها.

غير أن الحساب المهني الإلكتروني للمفوض القضائي لم يفعل إلى حد الآن، وما زال الورق هو القاعدة في التبليغ والتنفيذ. فتبقى الرقمنة في هذا الشق رهانا مؤجلا، ويبقى أثرها المنتظر على الزمن القضائي معلقا على الجاهزية التقنية للمنصة.

ولا يكتمل تقييم موقع المفوض القضائي في النص الجديد دون استحضار البعد المادي لممارسة المهنة. فقد وسع القانون نطاق الإجراءات المفصلة المسندة إلى المكلف بالتنفيذ في مجالات تقتضي جهدا ووقتا ومسؤولية أكبر كالحجوزات العقارية والبيوع والإفراغ، بما يستلزمه هذا الأخير من انتقال إلى العقار ومعاينة وإشهاد على نقل الحيازة. وفي المقابل لم تراجع تعريفة أتعاب المفوضين القضائيين منذ سنة 2014، ولم تحدد إلى الآن أتعاب هذه الاختصاصات.

والمفارقة هنا جلية: تتوسع المهام وتشدد الآجال والبيانات الإلزامية، وتبقى الشروط المادية لأدائها على ما كانت عليه قبل أكثر من عقد. ولا يتعلق الأمر بمطلب فئوي صرف، ذلك أن جودة التبليغ والتنفيذ ونجاعتهما ترتبطان ارتباطا وثيقا بقدرة المكلف بهما على تحمل كلفة التنقل والوقت والمسؤولية، ولا سيما في الدوائر القضائية ذات الامتداد الجغرافي الواسع.

خاتمة

يتبين من خلال ما سبق أن القانون رقم 58.25 قد خطا خطوات مهمة في اتجاه تحديد مكانة المفوض القضائي، فقد كرسه أصلا في التبليغ، ومنح سندا تشريعيا لممارسات مهنية كانت قائمة على العرف، وأحاط التبليغ بضمانات زمنية وشكلية أدق، وأخضع التنفيذ لرقابة قضائية أولية، وراهن على الرقمنة في توجيه الطيات وإرجاع نتائجها.

غير أن هذا التحديد التشريعي ظل في أسابيعه الأولى غير مكتمل على مستويين. فعلى المستوى النصي أبقى المشرع على ازدواجية جهة التنفيذ، وسكت عن جزاء بعض الآجال وعن الكيفيات العملية لإعمال آلية عنوان البطاقة الوطنية. وعلى مستوى أدوات الإعمال ظلت نماذج شهادات التسليم دون تحيين، وظل الحساب المهني الإلكتروني غير مفعل، وبقيت تعريفة الأتعاب على حالها رغم اتساع نطاق المهام.

ومن ثم فإن استكمال هذا الإصلاح يقتضي تدخلا من وزارة العدل بصفتها الجهة المشرفة على المهنة. ويتجه هذا التدخل أولا إلى تفعيل الحساب المهني الإلكتروني للمفوض القضائي، ووضع مسطرة واضحة للولوج إلى عنوان البطاقة الوطنية تحدد الجهة المختصة والقناة المعتمدة والضمانات المتعلقة بحماية المعطيات. ويتجه ثانيا إلى تحيين النماذج الرسمية وفي مقدمتها شهادة التسليم، بما يستوعب البيانات التي يشترطها القانون الجديد. ويتجه ثالثا إلى مراجعة التعريفة المعمول بها منذ سنة 2014 وتحديد أتعاب الاختصاصات المستحدثة، بتشاور مع الهيئة الوطنية للمفوضين القضائيين. ويستحسن أن يواكب ذلك توجيه تفسيري بشأن أجل العشرة أيام المنصوص عليه في المادة 486 يراعي خصوصية الدوائر القضائية الواسعة، وإعداد دليل عملي موحد حول القانون الجديد يوحد الفهم ويستبق الإشكالات قبل أن تتحول إلى منازعات.

ولا تدعي هذه الورقة الحكم على نص من 644 مادة بعد أسابيع قليلة من تطبيقه، وإنما تروم التنبيه إلى أن نجاح الإصلاح المسطري لا يتوقف على جودة النص وحده، بل على ما يرافقه من أدوات تنظيمية وتقنية ومادية. والمفوض القضائي بحكم موقعه في الخط الأول من التبليغ والتنفيذ هو أول من يلمس الفجوة بين النص والممارسة، وأقدر من يسهم في تجسيرها.

اترك تعليقاً