عدم التصريح بالأجير في الضمان الاجتماعي: هل يسقط حقه في التعويض؟ قراءة في الفصل 15

بقلم: عمر العياشي، مفوض قضائي لدى محكمة الاستئناف بتطوان
الجواب باختصار: التصريح بالأجير في الضمان الاجتماعي التزام قانوني يقع على المشغل وحده بمقتضى الفصل 15 من ظهير 27 يوليوز 1972. وحق الأجير في طلب تسجيله بنفسه مجرد رخصة احتياطية، لا ينبغي أن تُتخذ سببا لرفض طلبه التعويض، وهو ما يعززه قرار محكمة النقض عدد 476 لسنة 2022.
مقدمة
يحتل نظام الضمان الاجتماعي مكانة محورية في منظومة الحماية الاجتماعية بالمغرب، وتعززت هذه المكانة مع ورش تعميم الحماية الاجتماعية. غير أن فعالية هذا النظام تبقى رهينة بالتزام أولي بسيط في ظاهره، هو التصريح بالأجير في الضمان الاجتماعي، أي تسجيل المشغل لأجرائه لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS).
وقد أقر المسؤول الحكومي عن قطاع الشغل في دجنبر 2024 بأن 17% من الإضرابات المسجلة سنويا مرتبطة بعدم التصريح بالأجراء، وهو رقم يكشف حجم الظاهرة وأثرها على السلم الاجتماعي.
وفي مواجهة هذه المخالفة، خوّل الفصل 15 من ظهير 27 يوليوز 1972 للأجير الحق في أن يطلب مباشرة تسجيله وانخراط مشغله إذا امتنع هذا الأخير عن ذلك. غير أن هذا المقتضى الحمائي صار في بعض الأحكام سندا لرفض دعاوى التعويض عن عدم التصريح، بعلة أن الأجير لم يبادر إلى تسجيل نفسه.
الإشكالية
من هنا تنبثق الإشكالية المركزية لهذه الدراسة:
إلى أي حد يمكن الاحتجاج على الأجير بعدم ممارسته حق طلب التسجيل المخول له بمقتضى الفصل 15، لإعفاء المشغل من مسؤوليته عن عدم التصريح؟
وتتفرع عنها أسئلة فرعية: ما الطبيعة القانونية لكل من التزام المشغل وحق الأجير؟ وكيف تعامل القضاء مع دعاوى التعويض؟ وما السبل التشريعية والإدارية الكفيلة بإعادة التوازن؟
التصميم
للإجابة عن ذلك، نعتمد التقسيم الآتي:
- المبحث الأول: الطبيعة القانونية للتصريح بين التزام المشغل ورخصة الأجير
- المبحث الثاني: الجزاء المدني لعدم التصريح وحدود الاحتجاج بتقاعس الأجير
المبحث الأول: الطبيعة القانونية للتصريح بين التزام المشغل ورخصة الأجير
يقتضي تحديد مسؤولية المشغل عن عدم التصريح الوقوف أولا على طبيعة الالتزام الملقى على عاتقه (المطلب الأول)، ثم على طبيعة الحق المخول للأجير في طلب تسجيله (المطلب الثاني).
المطلب الأول: التصريح التزام قانوني أصلي على عاتق المشغل
ينظم نظام الضمان الاجتماعي الظهير الشريف المؤرخ في 27 يوليوز 1972، كما وقع تغييره وتتميمه، لاسيما بالتعديل المنشور بالجريدة الرسمية عدد 5998 بتاريخ 24 نونبر 2011، وبالقانون رقم 90.17 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.18.111 بتاريخ 9 يناير 2019.
ويفرض الفصل 15 من هذا الظهير على جميع المشغلين الذين يستخدمون في المغرب أشخاصا خاضعين لهذا النظام التزامين متلازمين:
- الانخراط في الصندوق، مع بيان رقم الانخراط في الفاتورات والرسائل والإعلانات، وإلزام المقاولات المحدثة إلكترونيا بالانخراط عبر المنصة الإلكترونية المخصصة لذلك.
- تسجيل الأجراء والمتدربين المهنيين، مع إثبات رقم التسجيل في بطاقة الشغل ولائحة الأجور وشهادة العمل المسلمة عند انتهاء العلاقة.
ويتميز هذا الالتزام بثلاث خصائص. فهو التزام قانوني مصدره النص لا العقد، فلا يجوز الاتفاق على مخالفته. وهو التزام بتحقيق نتيجة، لا يكفي فيه بذل العناية. وهو التزام من النظام العام الاجتماعي، يرتبط بحقوق الأجير وبتمويل نظام تضامني في آن واحد.
ويترتب على ذلك أن مجرد ثبوت علاقة الشغل وعدم التصريح بالأجير يكفي لقيام خطأ المشغل، دون حاجة إلى إثبات سوء نيته.
المطلب الثاني: حق الأجير في طلب تسجيله رخصة احتياطية لا التزام
تنص الفقرة الأخيرة من الفصل 15 على أنه «إذا امتنع المشغل من تسجيل شخص شغله خول هذا الأخير الحق في أن يطلب مباشرة تسجيله وانخراط مشغله»، على أن يحدد مرسوم كيفية التطبيق وشروط تدخل الصندوق حتما.
أولا: من حيث الصياغة، استعمل المشرع لفظ «خُوّل» وعبارة «الحق في أن يطلب»، وهي صيغة إباحة لا إلزام. فلو أراد المشرع إلزام الأجير لاستعمل صيغة الوجوب، كما فعل في الفقرة الأولى حين قال «يجب على جميع المشغلين».
ثانيا: من حيث الترتيب، جاء هذا الحق تاليا لالتزام المشغل ومعلقا على امتناعه، فهو آلية احتياطية لا تنشأ إلا عند الإخلال بالالتزام الأصلي. ولا يُتصور أن يصير الطريق الاحتياطي سببا لإسقاط الالتزام الأصلي.
ثالثا: من حيث الغاية، تقرر هذا الحق لحماية الأجير، والقاعدة أن ما تقرر لمصلحة شخص لا يجوز أن يُحتج به ضده. يضاف إلى ذلك أن ممارسة هذا الحق خلال سريان العلاقة الشغلية تضع الأجير في مواجهة مباشرة مع مشغله، مع ما يحمله ذلك من خطر فقدان الشغل.
ونخلص من ذلك إلى أن عدم ممارسة الأجير لهذه الرخصة لا يشكل خطأ من جانبه، ولا يقطع العلاقة السببية بين خطأ المشغل والضرر اللاحق بالأجير.
المبحث الثاني: الجزاء المدني لعدم التصريح وحدود الاحتجاج بتقاعس الأجير
إذا ثبت أن التصريح التزام أصلي على المشغل، فإن السؤال ينتقل إلى الجزاء المترتب على الإخلال به أمام القضاء (المطلب الأول)، ثم إلى سبل تجاوز القصور القائم تشريعيا وإداريا (المطلب الثاني).
المطلب الأول: موقف القضاء بين رفض التعويض والاعتراف بالضرر
أولا: اتجاه رفض التعويض. تذهب بعض الأحكام إلى رفض طلب التعويض عن عدم التصريح، بعلة أن الفصل 15 يتيح للأجير طلب تسجيله مباشرة، فيكون تقاعسه سببا في الضرر أو مساهما فيه. ويؤاخذ على هذا الاتجاه أنه يقلب عبء الالتزام، ويحمّل الطرف الأضعف تبعة خطأ الطرف الأقوى.
ثانيا: اتجاه الاعتراف بالضرر. كرست الغرفة الاجتماعية بمحكمة النقض في قرارها عدد 476 الصادر بتاريخ 5 أبريل 2022 (الملف الاجتماعي عدد 2021/1/5/1724) أن للأجير الصفة والمصلحة في مطالبة المشغل بأداء واجب الاشتراك. وعللت ذلك بأن استفادة الأجير من تعويضات الصندوق، قصيرة كانت أو طويلة الأمد، متوقفة على أداء الاشتراك.
والأهم في هذا القرار أنه وصف عدم أداء الاشتراك بأنه ضرر كبير يلحق بالأجير، يتمثل في حرمانه من الخدمات الاجتماعية للصندوق. وبثبوت الضرر وخطأ المشغل، تكتمل عناصر المسؤولية، ولا يبقى لرخصة الأجير الاحتياطية أثر في نفيها.
ثالثا: البعد الإثباتي لعدم التصريح. يكشف القرار عدد 2478 الصادر بتاريخ 15 نونبر 2016 (الملف الاجتماعي عدد 2015/1/5/489) بعدا آخر للمسألة. فقد تعلق النزاع بالمسؤولية التضامنية للمشغل الجديد طبقا للمادة 42 من مدونة الشغل، واحتاجت الأجيرة فيه إلى إنذارات ومحاضر استجواب وتبليغ لإثبات علاقتها الشغلية وتاريخ علمه بها.
ويُستفاد من ذلك أن التصريح لدى الصندوق ليس مجرد إجراء اجتماعي، بل هو أيضا وسيلة إثبات أساسية لقيام علاقة الشغل وتاريخها. فعدم التصريح يُضعف مركز الأجير في كل نزاع لاحق، وهو ضرر إضافي يستوجب الجبر.
المطلب الثاني: نحو تدخل تشريعي وإداري لحماية الأجير
أولا: المقاربة الإدارية وحدودها. أعلن كاتب الدولة المكلف بالشغل، هشام صابري، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب يوم 23 دجنبر 2024، عن إعداد منصة إلكترونية للتبليغ عن مخالفات الشغل، وفي مقدمتها عدم التصريح، يتولى مفتشو الشغل تتبع الشكايات الواردة عليها. وأقر بأن ضعف نجاعة المراقبة وتقييد صلاحيات مفتش الصندوق بموافقة الإدارة العامة يساهمان في انتشار المخالفة.
وهذا الإقرار الرسمي بقصور آليات المراقبة يعزز الطرح الذي يرفض تحميل الأجير تبعة عدم تدارك تقصير المشغل. غير أن المنصة تبقى أداة إدارية للزجر والتسوية، ولا تحسم الإشكال القضائي المتعلق بالتعويض.
ثانيا: مقترحات لتعديل الفصل 15. يقتضي تجاوز تذبذب الاجتهاد تدخلا تشريعيا صريحا، نقترح أن يتضمن ما يلي:
- التنصيص على أن عدم ممارسة الأجير لحق طلب التسجيل لا يُسقط مسؤولية المشغل ولا يخففها.
- تكريس حق الأجير في التعويض عن الضرر الناتج عن عدم التصريح، مع تحديد معايير تقديره.
- حماية الأجير المبلِغ من الفصل أو الانتقام، واعتبار كل إنهاء لعقد الشغل يعقب التبليغ قرينة على التعسف.
- تبسيط مسطرة التصريح الذاتي عبر المنصة الإلكترونية، مع ضمان سرية هوية المبلِّغ طيلة مدة البحث.
- تحديد آجال ملزمة للصندوق لإجراء التسجيل الحتمي، وإصدار المرسوم التطبيقي المحال عليه في الفصل نفسه.
- ترتيب أثر رجعي للتسجيل من تاريخ بداية الشغل الفعلي، مع تحميل المشغل الاشتراكات المتأخرة وغراماتها.
أسئلة شائعة حول التصريح بالأجير في الضمان الاجتماعي
من يتحمل واجب التصريح بالأجير لدى CNSS؟
يقع واجب التصريح على المشغل وحده، بمقتضى الفصل 15 من ظهير 27 يوليوز 1972، ويشمل الانخراط في الصندوق وتسجيل الأجراء والمتدربين.
هل يمكن للأجير أن يسجل نفسه في الضمان الاجتماعي؟
نعم، إذا امتنع المشغل عن تسجيله، يحق للأجير أن يطلب مباشرة من الصندوق تسجيله وانخراط مشغله. وهو حق اختياري لا التزام.
هل يُرفض طلب التعويض إذا لم يسجل الأجير نفسه؟
تذهب بعض الأحكام إلى ذلك، غير أن محكمة النقض اعتبرت في قرارها عدد 476 لسنة 2022 أن عدم أداء الاشتراك ضرر كبير يلحق الأجير، وأن له الصفة والمصلحة في مطالبة المشغل بأدائه.
ما الذي يخسره الأجير غير المصرح به؟
يُحرم من التعويضات العائلية، والتعويض عن المرض والأمومة، والتغطية الصحية الإجبارية، والتقاعد، ويفقد وسيلة أساسية لإثبات علاقة الشغل.
أين يبلّغ الأجير عن عدم التصريح به؟
يمكنه التوجه إلى مفتشية الشغل أو إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. وقد أعلنت الوزارة في دجنبر 2024 عن إعداد منصة إلكترونية للتبليغ عن مخالفات الشغل.
خاتمة
تبين من خلال هذه الدراسة أن التصريح بالأجراء لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي التزام قانوني أصلي يقع على عاتق المشغل وحده. أما الحق المخول للأجير في طلب تسجيله، فهو رخصة احتياطية تقررت لحمايته، ولا يجوز أن تنقلب حجة عليه.
وقد أسس قرار محكمة النقض عدد 476 لسنة 2022 لقراءة منصفة حين اعتبر الحرمان من خدمات الصندوق ضررا كبيرا يلحق الأجير. كما كشف القرار عدد 2478 لسنة 2016 أن عدم التصريح يُضعف أيضا قدرة الأجير على إثبات علاقته الشغلية.
غير أن ترك المسألة لاجتهاد القضاء يبقيها عرضة للتذبذب. ولذلك يبقى التدخل التشريعي لتعديل الفصل 15 ضروريا، حتى يُحسم بوضوح أن الالتزام بالتصريح لا يتحمل تبعته إلا من فُرض عليه، ويكتمل بذلك ورش تعميم الحماية الاجتماعية.
لائحة المراجع
النصوص القانونية
- الظهير الشريف المؤرخ في 27 يوليوز 1972 المتعلق بنظام الضمان الاجتماعي، كما وقع تغييره وتتميمه، الفصل 15.
- القانون رقم 90.17 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.18.111 بتاريخ 9 يناير 2019، الجريدة الرسمية عدد 6745 بتاريخ 21 يناير 2019.
- مدونة الشغل، المادة 42.
الاجتهاد القضائي
- قرار محكمة النقض عدد 476 بتاريخ 5 أبريل 2022، الملف الاجتماعي عدد 2021/1/5/1724.
- قرار محكمة النقض عدد 2478 بتاريخ 15 نونبر 2016، الملف الاجتماعي عدد 2015/1/5/489، مجلة قضاء محكمة النقض، العدد 82، ص 168–171.
